الشنقيطي
242
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ولم يصدقه لأنه لم يعلم عنهم سابقا ، مع أنه وصف حالهم وصفا دقيقا . وكان موقفه عليه السلام موقف التثبت مع ما لديه من إمكانيات الكشف والتحقيق من الريح والطير والجن . فقال للمخبر وهو الهدهد : سننظر ، أصدقت أم كنت من الكاذبين . ونحن في هذه الآونة لسنا أشد إمكانيات من نبي اللّه سليمان آنذاك ، وليس المخبرون عن مثل هذه النظريات أقل من الهدهد . فليكن موقفنا على الأقل موقف من سينظر أيصدق الخبر أم يظهر كذبه ؟ والغرض من هذا التنبيه هو ألا نحمل لفظ القرآن فيما هو ليس صريحا فيه ما لا يحتمله ، ثم يظهر كذب النظرية أو صدقها ، فنجعل القرآن في معرض المقارنة مع النظريات الحديثة ، والقرآن فوق ذلك كله لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [ فصلت : 42 ] . قوله تعالى : ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ( 4 ) [ 4 ] . المنصوص هنا إرجاع البصر كرتين ، ولكن حقيقة النظر أربع مرات . الأولى في قوله : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [ الملك : 3 ] . والثانية في قوله : فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [ الملك : 3 ] . والثالثة والرابعة في قوله : ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [ الملك : 4 ] . وليس بعد معاودة النظر أربع مرات من تأكيد ، والحسير : العي الكليل العاجز المتقطع دون غاية ، كما في قول الشاعر : من مد طرفا إلى ما فوق غايته * ارتد خسآن من الطرف قد حسرا قال القرطبي : يقال قد حسر بصره يحسر حسورا ، أي كل وانقطع نظره من طول مدى ، وما أشبه ذلك فهو حسير ومحسور أيضا . قال : نظرت إليها بالمحصب من منى * فعاد إلي الطّرف وهو حسير قوله تعالى : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا [ 5 ] .